وعرف إنه راجع مصر الأسبوع ده عشان مجموعة اجتماعات وحفل الشركة. كل معلومة كانت بتقربنا من الحقيقة، وفي نفس الوقت كانت بتخوفني أكتر. في آخر الأسبوع، ياسين رجع البيت وقال: "ماما، أنا عايز أقابله." قلت: "ليه؟" قال: "عشان أعرف.
" قلت: "لو هو أبوك، هتعرف." قال: "بس أنا مش عايز أفضل طول عمري بسأل." سكت. كان عنده حق. لكن قبل ما ياخد أي خطوة، حصل شيء ما كناش متوقعينه. ياسين جاله استدعاء تاني من مكتب حاتم. المرة دي، حاتم ما سألوش عن الشغل.قال له: "أنا عايز أسألك سؤال شخصي، ولو مش حابب تجاوب، من حقك.
" ياسين قال: "اتفضل." قال: "إنت والدتك اسمها سعاد، صح؟" ياسين سكت. ثم قال: "أيوه." حاتم أخذ نفسًا طويلًا. وسأله: "هي كانت متجوزة قبل كده؟" ياسين بدأ يفهم. قال: "حضرتك عايز تعرف ليه؟" حاتم ما ردش.
وبعد لحظة قال: "والدك كان اسمه إيه؟" ياسين قال: "حاتم." سكت الاثنان. حاتم نزل عينه. ولأول مرة، ياسين شاف حاجة مختلفة في وشه. مش صاحب الشركة. مش المدير. شاف راجل متوتر قدامه. خرج ياسين من المكتب. ولما رجع البيت، ما استناش حتى يقعد.قال لي: "ماما، هو بابا.
" أنا ما جاوبتش. قال: "هو بابا فعلًا." قلت: "إنت متأكد؟" قال: "سألني عنك، وسألني عن أبويا، وكان عارف حاجات ما يعرفهاش غير حد قريب مننا." قعدت. لأول مرة من خمس عشرة سنة، حسيت إن الحقيقة اللي كنت بخاف منها بقت قدامي.
لكن بدل ما أفرح... خفت. لأن حاتم ما رجعش لينا بعد خمس عشرة سنة كراجل عادي. رجع صاحب شركة كبيرة. وابني بقى موظف عنده. ودي كانت أكتر حاجة مقلقاني. قلت لياسين: "سيب الشركة." قال: "ماما..." قلت: "أنا مش بطلب منك تسيب مستقبلك عشان أبوك.أنا بطلب منك تسيب المكان اللي ممكن يخليك تحت رحمته.
" قال: "بس ليه؟" قلت: "عشان أنا عارفة أبوك أكتر منك." تاني يوم، صحيت بدري. لبست هدومي. ومريم سألتني: "رايحة فين؟" قلت: "الشركة." ياسين قال: "ماما، بلاش." بصيت له. قلت: "أنا مش هعمل مشكلة." قال: "خايف يحصل حاجة.
" قلت: "أنا كمان خايفة." روحت الشركة. طلبت مقابلة حاتم. بعد شوية، دخلت مكتبه. كان واقف عند الشباك. أول ما شافني، ما اتكلمش. وأنا كمان. فضلنا واقفين قدام بعض ثواني طويلة. خمس عشرة سنة اختفت في اللحظة دي. افتكرت يوم سفره. افتكرت ياسين وهو صغير.
افتكرت مريم وهي بتسأل عليه.افتكرت أول مرة احتجت فيها فلوس ومكانش موجود. افتكرت كل مرة كنت أقول للولاد: "أبوكم أكيد عنده ظروف." وأنا ما كنتش عارفة حتى هو فين. قلت: "إنت حاتم." قال: "أيوه." قلت: "كنت عارفة." سكت. قلت: "بس كنت محتاجة أسمعها منك.
" قال: "سعاد..." قاطعته: "متقولش اسمي بالطريقة دي." سكت. قلت: "إنت عارف أنا جاية ليه." قال: "عشان ياسين." قلت: "وعشان مريم." وبعدين بصيت له وقلت: "وعشان نفسي." سكت. قلت: "أنا عايزة أعرف حاجة واحدة. ليه؟" قال: "الموضوع مش سهل." ضحكت بحزن.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.