سافر ومرجعش تاني

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

لما جوزي حاتم سافر العراق، كان ابني ياسين عنده عشر سنين، ومريم عندها تمان سنين. كان وقتها بيحاول يقنعني إن السفر مش هياخد وقت طويل، وإنه رايح يشتغل سنة ولا اتنين بالكتير، وبعدها يرجع ونبدأ حياة أحسن.فاكرة كويس جدًا اليوم اللي كان بيحط فيه هدومه في الشنطة.

كان ياسين واقف جنب السر,,ـــــير بيتفرج عليه من غير ما يتكلم، ومريم قاعدة على الأرض بتلعب، وكل شوية ترفع راسها وتسأله: "بابا، هترجع إمتى؟" فيضحك ويقول لها: "قبل ما تزهقي مني.

" كانت جملة عادية جدًا وقتها، بس فضلت معلقة في دماغي سنين. قبل ما يخرج من البيت، حط في إيدي مبلغ صغير وقال لي: "خليه للولاد، وأنا أول ما أقبــ,,ـــــض هبعت لك." قلت له: "مش مهم الفلوس قد ما مهم إنك تطمننا عليك.

" بص لي وقال: "هكلمك كل يوم." وفعلًا، أول كام شهر كان بيتصل. كان يسأل على ياسين في المدرسة، وعلى مريم، ويضحك لما أحكيله عن خناقاتهم الصغيرة. وبعد فترة، المكالمات بدأت تقل. في الأول ما اهتمتش. قلت أكيد الشغل ضغط عليه.

بعدها بقى يتصل كل يومين. وبعدين كل أسبوع. لحد ما جه يوم ما اتصلش فيه. استنيت. اليوم خلص. تاني يوم اتصلت أنا. الموبايل كان بيرن من غير رد. فضلت أحاول طول اليوم. لحد ما سمعت صوته بعدها بيومين.كان صوته متوتر، وقال لي إن عنده مشاكل في الشغل وإنه هيتأخر شوية.

سألته: "يعني قد إيه؟" قال: "مش عارف." قلت: "حاتم، طمني." قال: "متقلقيش." دي كانت آخر مرة أسمع فيها صوته لفترة طويلة. بعدها اختفى. مش اختفاء يومين ولا أسبوع. اختفى من حياتنا.

في البداية كنت مستنية مكالمته كل ليلة. كنت بحط الموبايل جنبي وأنا نايمة، وكل ما الشاشة تنور قلبي ينط من مكانه. بعد شهر بدأت أخاف. بعد تلات شهور بدأت أسأل. وبعد ست شهور، بقيت لما حد يسألني عنه أقول: "لسه ما رجعش.

" من غير ما أعرف أقول حاجة تانية. أصعب حاجة كانت الولاد. ياسين كان أكبر شوية وبدأ يفهم إن الموضوع مش طبيعي. في مرة رجع من المدرسة وقال لي: "ماما، هو بابا مش عايز يكلمني؟" السؤال ده وجعني أكتر من أي حاجة.

قلت له: "مين قال لك كده؟" قال: "أصحابي بيقولوا إن اللي بيسافر بيكلم أهله." قلت: "بابا عنده ظروف." قال: "طب هيخلص إمتى؟" ما جاوبتش. ومريم كانت أسهل في البداية. كانت كل كام يوم تسأل: "بابا هييجي في العيد؟" وأقول لها: "إن شاء الله.

" لحد ما جه عيد ورا عيد، ومفيش حاتم. بدأت الحياة تضغط عليا. الإيجار. مصاريف المدرسة. الأكل. اللبس. الدرس. المرض. وفي كل مرة كان لازم أتصرف لوحدي. فاكرة مرة ياسين كان عنده امتحان ومريم كانت سخنة في نفس اليوم.

كنت محتاجة فلوس أجيب لها الدوا، وفي نفس الوقت المدرسة كانت بتطلب مصاريف. قعدت على طرف السر,,ـــــير بعد ما الولاد ناموا، وطلعت آخر مبلغ معايا من المحفظة وحطيته قدامي. فضلت أبص له فترة طويلة. وبعدين قسمت الفلوس نصين. نص للدوا. والنص التاني لمصاريف المدرسة.وقلت لنفسي: "بكرة ربنا يحلها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
TN

Trends News ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
240مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة