كانت حياتها مختلفة تمامًا عن الحياة التي تخيلتها العائلة. ولم تكن عودتها لتطلب مالًا أو تنتقم من أحد. كانت تريد فقط معرفة لماذا اختفت فجأة من حياتها الأولى. حماتي اعترفت بالحقيقة كاملة. قالت إنها وقتها خافت من خلافات العيلة وإنها وافقت على ترتيبات لم تكن مقتنعة بها بالكامل، وظلت سنين تحمل شعورًا بالذنب.
أما مريم فكانت تتابع من بعيد. وبعد ما انتهى اللقاء دخلت عند جدتها. مسكت إيدها وقالت
"أنا مش زعلانة منك يا تيتة."
حماتي بصت لها كأنها مش فاهمة. وبعدين ابتسمت. وقالت
"أنا كنت خايفة أنسى كل حاجة قبل ما أقول الحقيقة."
الكلمة دي كانت أصعب حاجة سمعتها.
لأننا فهمنا وقتها إن مرضها لم يكن هو الذي صنع السر. المرض فقط جعل الأسرار القديمة تظهر بطريقة عشوائية. بعدها بدأنا نهتم بعلاج حماتي وتنظيم حياتها ومتابعة حالتها مع الطبيب، واتفقنا إن مريم ما تتحملش أي تفاصيل أكبر من سنها.
أما السيدة التي عادت للعائلة فبدأت تتعرف عليهم من جديد بهدوء ومن غير إجبار. لم تتحول العيلة فجأة إلى عيلة مثالية. كان فيه زعل وعتاب وحاجات صعب تتصلح. لكن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور. أما مفتاح أوضة مريم ففضل فترة طويلة في درجها.وفي يوم رجعت من المدرسة وقالت لي
"ماما."
قلت لها
"نعم؟"
قالت
"أنا مش محتاجة أخبي المفتاح تاني."
سألتها
"ليه؟"
ابتسمت وقالت
"عشان بقيت عارفة إن تيتة كانت خايفة أكتر مني."
وقتها فهمت إن اللي حصل في بيتنا ما كانش مجرد قصة عن امرأة فقدت ذاكرتها.
كان درس قاسي عن إن الإنسان ساعات يفسر تصرفات غيره حسب خوفه، وإن المرض ممكن يخلي أبسط التصرفات تبدو مخيفة، وإن أسرار العيلة لما تفضل مدفونة سنين ممكن تظهر في الوقت الخطأ وبطريقة تؤذي ناس مالهمش ذنب. ومن يومها بقيت لما حماتي تنسى حاجة ما أقولش "دي تخاريف.
"
بقيت أقعد جنبها وأسألها بهدوء
"إنتي كنتي عايزة تقولي إيه؟"
يمكن ما تفتكرش. ويمكن تفتكر. لكن أهم حاجة اتعلمتها إن الإنسان اللي بينسى أسماء الناس والتفاصيل الصغيرة ممكن يفضل جواه إحساس بحاجات مهمة جدًا. والحقيقة اللي كنا فاكرين إنها هتدمر بيتنا، كانت في النهاية السبب إن ناس كتير تعرف الحقيقة وتبدأ تصلح حاجات اتكسرت من سنين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.