بعد ما حماتي فقدت الذاكرة وبقت تنسى كل حاجة، كنت بعتبر كلامها تخاريف مرض.. لحد ما في يوم لقيت بنتي مخبية مفتاح أوضتها وبتقولي: «ماما متخليش تيتة تدخل عندي تاني».. ولما عرفت السبب، اكتشفت سر قلب حياتنا كلها!أنا عمري ما كنت أتخيل إن مرض النسيان ممكن يغيّر شكل بيت كامل بالشكل ده.
حماتي كانت ست قوية ومسيطرة بطبعها. من أول يوم اتجوزت ابنها وأنا عارفة إن رأيها في كل حاجة لازم يتسمع حتى لو محدش طلب منها رأي.
كانت بتدخل المطبخ وتعلق على الأكل وتراجع مصاريف البيت وتسألني جوزي رجع الساعة كام وليه اتأخر وحتى بنتي مريم كانت بتحاول تعرف بتذاكر إيه وبتكلم مين. لكن من حوالي سنة كل حاجة بدأت تتغير. في الأول كانت بتنسى حاجات بسيطة. تحط التليفون في مكان وتدور عليه بالساعات.
تنسى إنها سألتني نفس السؤال قبل كده. مرة لبست هدومها ونزلت الصالة وهي مقتنعة إنها لسه راجعة من مشوار الصبح رغم إن الوقت كان بعد المغرب. روحنا لدكتور وقال إن الموضوع محتاج متابعة وإن مشاكل الذاكرة ممكن يكون ليها أسباب مختلفة ولازم ناخد بالنا منها.
أنا وقتها تعاطفت معاها جدًا. لكن مع الوقت بدأت تحصل حاجات غريبة. كانت تدخل أوضة مريم وتقول لها كلام متناقض. مرة تسألها عن المدرسة كأنها أول مرة تشوفها ومرة تانية تقول لها إنها لازم تبعد عن شخص معين. وفي كل مرة كانت مريم تيجي تحكيلي أقول لها
"تيتة تعبانة يا حبيبتي ومش كل كلامها ناخده بجد."
لحد اليوم اللي رجعت فيه من المطبخ ولقيت مريم واقفة قدامي ووشها متغير. قالت لي بصوت واطي
"ماما."
بصيت لها. طلعت مفتاح صغير من جيب هدومها وقالت
"أنا خبيت مفتاح أوضتي."
استغربت وقلت لها
"ليه؟"
بصت ناحية طرقة الشقة وبعدين قربت مني وقالت
"ماما متخليش تيتة تدخل عندي تاني."
حاولت أضحك وأهديها. قلت
"ليه بس؟ عملت لك إيه؟"
سكتت ثواني وكأنها خايفة تقول. وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن الأرض اتحركت من تحتي."عشان كل مرة بتدخل فيها أوضتي بتدور على حاجة في حاجاتي.
"
قلبي دق بسرعة. سألتها
"إنتي شوفتيها بتدور على إيه؟"
هزت راسها وقالت
"مش عارفة."
وبعدها مسكت إيدي بقوة وقالت
"بس امبارح لقيتها بتفتح الدرج اللي تحت السرير ولما شافتني قالت لي إني لازم أنسى اللي شوفته.
"
أنا اتجمدت مكاني. لأن حماتي أصلًا كانت بتنسى حاجات كتير. لكن الجملة دي ما كانتش شبه كلام واحدة مش فاكرة حاجة. وفي نفس اللحظة سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة. مريم جريت على أوضتها. دخلت حماتي وهي ماسكة شنطتها وبصت لي باستغراب. وقالت
"هي مريم كانت بتقول لك إيه؟
"
حاولت أتصرف طبيعي وقلت
"ولا حاجة."
ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
"كويس."
وبعدين دخلت أوضة مريم من غير ما تستأذن. أنا مشيت وراها. لكن قبل ما أوصل للباب سمعتها بتقول بصوت واطي جدًا
"إنتي لسه محتفظة بيه؟"
سكتت لحظة. وبعدين خرجت.
ولما بصت لي كان وشها هادي جدًا. قالت
"أنا كنت بدور على حاجة تخصني."
سألتها
"إيه هي؟"
بصت لي فترة طويلة. وبعدين قالت
"لو عرفتي... مش هتصدقي ابنك."
اتصدمت. لأن أنا أصلًا ما عنديش ابن. حماتي بصت لي وكأنها هي كمان استوعبت اللي قالته.
وبعدين حطت إيدها على دماغها وقالت
"أنا... أنا جيت هنا ليه؟"
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد نسيان. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن الجملة اللي قالتها بالغلط هتفتح باب لحكاية قديمة محدش في البيت كان مستعد يواجهها.
بعد اللي حصل حاولت أقنع نفسي إن حماتي فعلًا كانت مشوشة بسبب المرض وإن كلامها مالوش معنى. لكن الخوف اللي شوفته في عيون مريم ما خلانيش أقدر أتجاهل الموضوع. بالليل حكيت لجوزي كريم كل حاجة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.