في آخر الخطاب كانت كاتبة جملة وقفت عندها كتير: «أنا مش خايفة عليها من قلة الفلوس قد ما أنا خايفة تكبر وتفتكر إننا اتخلينا عنها». ساعتها فهمت ليه أبويا كان محتفظ بكل الصور والخطابات، وليه كان رافض يفتح الأوضة أو يسمح لحد يرتبها.سعاد قالتلي إن أبويا قبل وفاته بفترة تعب أكتر من مرة، وكان عارف إن حالته الصحية مش مستقرة، فطلب منها تفضل تتابع الشقة وتيجي كل أسبوع علشان تتأكد إن حاجات أمي محفوظة، وإنها تسلمنا الخطابات لما نكون مستعدين نعرف الحقيقة.
أما دخولها المتكرر فكان علشان تراجع الأوضة وتجيب بعض الأغراض اللي ياسمين كانت محتاجاها من حاجات أمي القديمة، بعد ما استأذنت أبويا قبل وفاته. سألتها ليه ياسمين نفسها مجتش، فقالت إنها كانت مترددة وخايفة من رد فعلنا، لأنها عاشت سنين وهي فاكرة إن أمي وأبويا كانوا بيحبوها بدافع الشفقة، وإن بناتهم الحقيقيين أكيد مش هيقبلوا وجودها.
الكلام ده أثر فيا جداً، وطلبت من سعاد تتصل بيها وتقولها إني عايزة أشوفها. بعد حوالي ساعة وصلتنا بنت في أوائل التلاتينات، معاها طفل صغير، وأول ما دخلت الشقة فضلت واقفة قدام صورة أمي المعلقة في الصالة ودموعها نزلت.قربت منها وسلمت عليها وقلتلها إننا عرفنا كل حاجة، وإنها مش محتاجة تخاف مننا.
قالتلي إنها كانت بتتمنى تشوف أمي مرة أخيرة، وإنها فضلت محتفظة بصورة ليها طول السنين اللي فاتت، وإن أبويا كان الشخص الوحيد اللي رجع يسأل عليها بعد ما فقدت أهلها.
نجلاء قامت من مكانها وحضنتها واعتذرتلها عن السنين اللي عدت من غير ما نعرف بعض، وبعدها قعدنا نتكلم عن أمي ومواقفها معاها. عرفت إن ياسمين كانت متجوزة وعندها طفل، وإنها كانت بتشتغل وبتحاول تعتمد على نفسها، وإن المساعدة اللي كان أبويا بيبعتها ليها كانت بتفرق معاها وقت الأزمات.
قبل ما تمشي طلبت منها تيجي تزورنا تاني، وقلتلها إن صلة الرحم مش محتاجة إذن ولا مواعيد، وإنها من النهارده مش هتكون غريبة عننا. وبعد ما خرجت فضلت أنا ونجلاء قاعدين في الصالة وسط صور أمي وحاجات أبويا، واتفقت معاها إننا نحتفظ بالأوضة زي ما هي، مش علشان السر اللي كانت مخبياه، لكن علشان تبقى ذكرى لست فضلت طول عمرها تحاول تحافظ على بنت أختها، ولراجل قضى آخر سنين حياته بيحاول ينفذ وعد قطعه لمراته.
وفي اليوم ده فهمت إن مش كل الأسرار اللي بتتخبى ورا الأبواب بتكون فضايح أو خيانة، ساعات بيكون وراها وجع قديم وحكاية ناس خافت تتكلم عنها، لحد ما بقى الصمت نفسه سبب في بُعد ناس كان المفروض يفضلوا عيلة واحدة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.