أول ما دخل وشاف حسن، وقف مكانه. حسن بص له، وصوته اتهز: "ياسر؟" ابنه ما ردش. فضل واقف قدامه، وبعدين قال: "إنت أبويا؟" هز حسن راسه. "أيوه." ياسر ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع وقال: "أنا كنت عندي عشر سنين." حسن نزل عينه. "عارف.
" "وأنت كنت عندك أربعين." "عارف." "دلوقتي أنا خمسة وأربعين وإنت خمسة وسبعين." حسن ماعرفش يرد. قعدنا كلنا، وبدأ يحكي. قال إنه سافر وقتها عشان صفقة كبيرة في مجال الأدوات الصحية، وكان شريكه هو اللي بيتولى معظم الأوراق والتعاملات مع الشركة اللي هيتم منها الاستيراد.
قبل إتمام الصفقة بيومين، حصلت مشكلة كبيرة، والسلطات قبضت على حسن وشريكه. في البداية افتكر إنها مجرد إجراءات وهتخلص، لكنه اكتشف إن جزءًا من المستندات اللي اتقدمت في الصفقة كان مزورًا. حسن أكد إنه ماكانش يعرف بالتزوير، لكن المشكلة إن بعض الأوراق كانت تحمل توقيعه.
الشريك أنكر معرفته، وحسن تمسك إنه بريء من التزوير. القضية طالت، والمحاكمة استمرت فترة طويلة، وفي النهاية صدر حكم عليه بالسجن. قال: "أنا كنت فاكر إني هخرج بعد كام سنة." لكن الأمور ما مشيتش زي ما توقع.
كان فيه استئناف وقضية تانية مرتبطة بالصفقة، وبعدها صدر حكم جديد. سنين دخلت في سنين. حاول يوصل لأهله، لكن التواصل كان صعب، والرسائل اللي كتبها ماكانش يعرف إذا كانت وصلت أو لأ. قال إنه في أول سنين سجنه كان عنده أمل إنهم هيعرفوا مكانه وييجوا له.
لكن مع الوقت، الأمل بدأ يقل. "آخر مرة حاولت أبعت جواب، كنت عارف إن أبويا وأمي ماتوا، وماعرفتش إذا كان جواب وصل لمراتي ولا لأ." ياسر سأله: "يعني إنت حاولت؟" حسن هز راسه. "كتير." "طب ليه ماعرفناش؟" قال: "ماعرفش." سكت ياسر فترة، وبعدها سأله: "وخرجت إمتى؟
" حسن رد: "من حوالي عشر سنين." هنا أنا استغربت. قلت: "يعني إنت كنت بره السجن من عشر سنين… ورجعت دلوقتي؟" حسن بص لي، وقال: "أيوه." وهنا لأول مرة ظهر على وشه شيء يشبه الخجل. "لما خرجت، ماكانش معايا غير هدومي وشوية فلوس.
كنت سبعين سنة. مالقيتش نفسي قادر أرجع وأقف قدامكم بعد العمر ده كله." ياسر قال بغضب: "ففضلت بعيد عشر سنين كمان؟" حسن سكت. وبعدين قال: "كنت خايف."
3
في الأيام اللي بعدها بدأت الحقيقة تظهر كاملة.
حسن لم يكن بريئًا تمامًا، لكنه لم يكن المجرم اللي الناس كانت هتفتكره لو عرفوا قصته. هو اعترف إنه أخطأ عندما وثق في شريكه ووقّع أوراقًا من غير ما يراجعها بنفسه، وإن الخطأ ده كان السبب الأساسي في دخوله القضية. لكن التزوير نفسه لم يكن من صنعه.قال: "أنا غلطت… بس ماخنتش حد.
" وأنا صدقته. مش عشان حكايته مؤثرة، لكن لأن كل ورقة احتفظ بيها من القضية كانت بتأكد إن القصة أعقد من مجرد رجل هرب من أهله. لكن بالنسبة لياسر، كل ده ماكانش أهم حاجة. كان عنده سؤال واحد: "ليه ما رجعتش بعد ما خرجت؟
" حسن قال: "رجعت مرة." ياسر بص له. "إمتى؟" "بعد خروجي بشهور." حسن كان وقتها واقف أمام البيت القديم، لكنه اكتشف إن البيت اتباع من سنين، وإن مراته ماتت، وإن أولاده كبروا. وقف أمام الباب فترة طويلة، وسأل أحد الجيران عنهم.عرف إن ياسر بقى عنده أولاد، وإن أخته عايشة في محافظة تانية.
كان قادر يوصل لهم. لكنه لم يفعل. قال: "وقتها حسيت إني غريب." ياسر انفجر: "غريب؟! إنت أبويا!" حسن دمعت عينه وقال: "عارف." "طب كان لازم تيجي!" "كان لازم." "إنت ضيعت عمري!
" حسن ما دافعش عن نفسه. قال: "أيوه." كانت أول مرة أشوف فيها ياسر يبكي قدام أبوه. مش بكاء طفل لقى أبوه. كان بكاء رجل كبير اكتشف إن الشخص اللي كان محتاجه طول عمره كان موجودًا في مكان ما، لكنه لم يعد في الوقت المناسب.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.