" ضحكت وقلت له: "ده أنت بقيت تمشي في السلم وعينك في الأرض." قال: "أعمل إيه؟ أصل الواحد لو عطس قدامها هتفتكر إني بتقدم لها." ضحكت غصب عني، وكانت أول مرة أضحك على الموضوع من غير ما أحس بوجع.بعدها بفترة قصيرة بدأت سوسن فعلًا تبعد، وسمعت إنها بدأت شغل بسيط من البيت في بيع الملابس، وكانت بتحاول تعتمد على نفسها.
في البداية ما اهتمتش، لكن يوم رجعت من شراء طلبات لقيتها واقفة عند مدخل العمارة ومعاها أكياس كتير، وكانت بتحاول تطلعها لوحدها.
محمود كان داخل من الناحية التانية، ولما شافها شال عنها كيسين. هي قالت له شكرًا، وأنا كنت واقفة على بعد خطوات. للحظة حسيت بنفس الإحساس القديم، لكني سكت. لما طلعنا فوق قلت له: "مش قولت لك ما تساعدهاش؟" قال: "يا هالة، كانت شايلة حاجات كتير.
" قلت: "عارفة." قال: "طب مالك؟" قلت: "مفيش." ضحك وقال: "لما بتقولي مفيش بالطريقة دي، أعرف إن في كتير." ضحكت رغمًا عني. لكن بعدها بأيام حصلت حاجة خلتني أغير نظرتي لسوسن تمامًا. كنت عندها بالصدفة عشان أديها حاجة تخص العمارة، وسمعتها بتتكلم مع أختها في التليفون.
ما سمعتش كل الكلام، لكن سمعتها تقول إنها تعبت من فكرة إنها لازم تستنى حد ينقذها، وإنها عايزة تتعلم تعتمد على نفسها. بعدها سمعتها تقول: "أنا غلطت مع هالة، ومش هكرر الغلطة دي." قفلت الباب بهدوء ومشيت. أول مرة حسيت إن سوسن بدأت تفهم فعلًا حجم اللي عملته.
وبعدها بشهر تقريبًا، حصلت أزمة في العمارة بسبب صاحب الشقة اللي فوقنا، وكان عايز يحمّل السكان تكلفة إصلاح ماسورة قديمة. سوسن كانت أول واحدة وقفت وقالت إن كل واحد لازم يعرف حقه، وإنها مش هتدفع جنيه قبل ما تشوف عقد الإيجار.
ضحكت وقتها وقلت لها: "أهو كده بقيتي راجل البيت." ضحكت وقالت: "أهو اتعلمت، مش لازم كل حاجة تبقى بظل راجل." الجملة دي وقفتني. بصيت لها، وهي ابتسمت وقالت: "افتكرتي اللي حصل؟" قلت: "صعب أنساه." قالت: "وأنا كمان.
" ومن يومها بدأت علاقتنا تتغير، مش رجعت زي الأول، لكن بقى بيننا كلام طبيعي من غير خوف أو شك. ومحمود كمان بقى بيتعامل معاها عادي جدًا في حدود الجيرة. وبعد كام شهر، سوسن فعلًا اتقدملها واحد عن طريق أختها، وكان مطلق وعنده بنت، وفضلت فترة تدرسه وتفكر قبل ما توافق.
وفي يوم قابلتها على السلم، فقالت لي: "المرة دي مش هتجوز عشان أقول ظل راجل ولا ظل حيطه." سألتها: "أمال هتتجوزي ليه؟" قالت: "عشان أبقى عايزة الشخص نفسه، مش عشان أخاف من الوحدة." ابتسمت لها وقلت: "كده اتعلمتي.
" قالت: "إنتي اللي علمتيني." ضحكت وقلت لها: "لا يا ستي، أنا كنت على وشك أضــ,,ـــــربك الأول." ضحكت وقالت: "وده كان درس برضه." ومن يومها بقيت كل ما أفتكر أول يوم دخلت فيه سوسن بيتنا عشان تطلب جوزي، أفتكر قد إيه الإنسان ممكن يخلط بين احتياجه للحب واحتياجه للأمان، وقد إيه كلمة زي "ظل راجل ولا ظل حيطه" ممكن تتحول عند شخص من مجرد مثل قديم لفكرة يعيش بيها، لحد ما يكتشف بنفسه إن الأمان الحقيقي مش في إنك تمسك في أي حد، لكن في إنك تعرف تقف على رجلك حتى لو كنت لوحدك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.