أحمد كان أكبرهم. كان بيشتغل في تجارة الأجهزة، وخسر مبلغ كبير بسبب شراكة فاشلة. جالي قبل كده وقال: "يا بابا ساعدني." ساعدته. بعت جزء من شهادة ادخار كانت باسمي، واديته الفلوس من غير ما أطلب منه يردها. قلت له: "دي فلوسك يا ابني. " لكن مشكلته إن المبلغ اللي أخده ما حلش كل أزمته. وبعد فترة، بقى شايف إن عندي فلوس أكتر.
وكان مقتنع إن لو بقى هو المسؤول عن أموالي، هيقدر ينقذ نفسه. أما محمود، فكان عنده حجة مختلفة. كان بيقول إن أنا "مش بعرف أتعامل مع الدنيا الجديدة". مرة قلت له: "يعني إيه؟" قال: "أنت بتصرف من غير حساب." ضحكت. قلت: "أنا اللي علمتك الحساب." رد: "الزمن اتغير يا بابا." لكن الحقيقة إن محمود كان عايز يبيع جزء من الأرض اللي أملكها في أطراف البلد، لأنها ارتفع سعرها جدًا.
أما نجلاء، فكانت قصتها مختلفة. جوزها كان داخل في ديون. وهي كانت بتضغط عليا عشان أبيع شقة قديمة وأديها تمنها. رفضت. مش لأني بخيل. لكن لأن الشقة دي كانت آخر حاجة باقية لي من تعبي، وكنت مخطط أخليها مصدـ,,ـــر دخل ثابت لحد ما أمــ,,ـــــوت. نجلاء يومها قالت لي: "يعني الفلوس أهم من بنتك؟" الجملة دي كسرتني. قلت لها: "لا يا نجلاء، بس أنا مش هقدر أعيش باقي عمري من غير أمان.
" ردت: "إنت مش فاهم إنك كبرت؟" سكت. لأنها قالت نفس الكلمة اللي لقيتها بعد كده مكتوبة في أوراق القضية. كبرت. وبدأت أفهم إنهم كانوا بيجمعوا الكلام ضدي من زمان. أي مرة أنسى ميعاد زيارة. أي مرة أطلب من حد يذكرني بحاجه. أي مرة أكون متعب. كل ده اتحول في نظرهم إلى دليل إني ما بقيتش قادر أدير حياتي.
لكن محدش فيهم قال إن أبوهم كان طول عمره عاقل، حريص، وبيحسب كل خطوة. محدش قال إنهم لما احتاجوا فلوس، كان هو أول واحد وقف جنبهم. وفي يوم، أحمد جه البيت. وقعد قدامي. وقال: "يا بابا، الموضوع ممكن يخلص بسهولة. " بصيت له."إزاي؟" قال: "إنت توافق إننا ندير أموالك." قلت: "ولو رفضت؟
" سكت شوية. وبعدين قال: "يبقى المحكمة هي اللي تقرر." بصيت في عينيه. وقتها عرفت إن القضية ما كانتش سوء تفاهم. كانت قرار. قرار أخدوه من غيري. وأنا بقيت فجأة بالنسبة لهم مجرد رجل عجوز لازم يتصرفوا في حياته. لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن يوم المحكمة لسه ما خلصش.--- الفصل الثالث: الرجل الذي وقف أمام القاضي دخلت المحكمة مرة تانية. المرة دي كنت مستعد. مش مستعد عشان أكسب فلوس.
أنا أصلًا ما كنتش عايز أخسر ولادي. كنت مستعد عشان أقول الحقيقة. دخلت القاعة. كان أولادي موجودين. أحمد ومحمود ونجلاء قاعدين في الجهة التانية. بصيت لهم. نجلاء ما قدرتش تبص في عيني. أما أحمد فكان ثابت. ومحمود ماسك ملف. القاضي بدأ يراجع الأوراق. سألني بعض الأسئلة البسيطة. عن اسمي. سني. شغلي السابق. حساباتي. أملاكي. مواعيدي. جاوبت بهدوء. كان كل سؤال بالنسبة لي كأنه اختبار مؤلم. وبعدين القاضي قلب في الورق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.