ولأول مرة في حياتي، بدأت أفكر في مستقبلي أنا كمان. مريم قالتلي:
ـ "إنت طول عمرك بتقول أنا مش مهم."
ضحكت. قالت:
ـ "إنت مهم."
الكلمة دي أثرت فيا أكتر من أي فلوس.
لأني اكتشفت إن أكبر مشكلة حصلتلي بعد موت أبويا وأمي، إني صدقت إن دوري في الحياة هو إني أصرف وبس. نسيت إني بني آدم له أحلام. الفصل الخامس: الحقيقة اللي فضلت معايا
بعد فترة، اتعملت دراسة أكبر للمكان، واتضح إن وجود الذهب كان مرتبط بتكوين جيولوجي نادر في المنطقة.
الخبر انتشر. ناس كتير بدأت تسأل عن الاكتشاف. لكن الإجراءات الرسمية أخدت وقت، وحقوق العمال وأصحاب المكان اتراجعت واتراجعت معها تفاصيل كتير. أنا ما أخدتش كنز أسطوري. لكن حصلت على مقابل قانوني مناسب لاكتشافي، ومعاه فرصة حقيقية أغير حياتي.
اشتريت بيت صغير بدل البيت القديم. مش قصر. ومش عربية فخمة. مجرد بيت آمن. بيت مفيهوش خوف من صاحب عقار يطردنا. ومريم كملت تعليمها. أما أنا، فبدأت أتعلم وأشتغل في مجال أقل خطورة. وبعد سنوات، رجعت مرة للمحجر. وقفت بعيد أبص للصخور.
افتكرت عم رجب. وافتكرت الليلة اللي رجعت فيها بالشوال. وافتكرت السؤال اللي كان بيطاردني:
"هو أنا كنت محظوظ؟ ولا كنت على وشك أخسر كل حاجة؟"
الحقيقة إن الاتنين كانوا موجودين. لأن المحجر ماكانش مجرد مكان لقيت فيه خامة غيرت حياتي.
كان المكان اللي علمني إن الفقر ممكن يخلي الإنسان يقبل بأي شغل مهما كان خطره. وعلمني كمان إن الرزق الحقيقي مش مجرد فلوس. الرزق إنك ترجع بيتك سليم. إن يكون عندك حد مستنيك. إن أختك تكمل تعليمها.وإنك تقدر تقول لنفسك بعد سنين:
"أنا عملت اللي أقدر عليه."
وفي آخر مرة زرت فيها مريم في جامعتها، كانت لابسة هدوم التخرج. وقفت قدامي وقالت:
ـ "فاكر لما كنت بتقول إنك خلاص بقيت كبير ومش محتاج تكمل تعليم؟"
ضحكت وقلت:
ـ "أيوه."
قالت:
ـ "كنت غلطان.
"
ضحكت. ـ "ليه؟"
قالت:
ـ "عشان التعليم مش كان ليا أنا بس… كان ليك إنت كمان."
بصيت لها، وسكت. لأول مرة من سنين، دموعي نزلت من غير ما أحاول أخبيها. افتكرت أبويا. وافتكرت أمي. وقلت في سري:
"يمكن أنتم مشيتوا بدري… بس سيبتوا لي سبب أكمل.
"
ومن يومها، كل ما أسمع صوت تكسير الصخور من بعيد، ما بقاش بخاف زي زمان. بقيت أفتكر أخطر فترة في حياتي…
وأفتكر إن الشوال اللي دخل بيه شاب فقير بيته في نص الليل، ماكانش هو اللي أنقذ حياته لوحده.
اللي أنقذه فعلًا…
كان قراره إنه ما يسيبش أخته، وما يخليش الفقر يحدد نهايتهم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.