بعض الديون تُسدد مهما طال الزمن

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

"
الفصل الخامس: زيارة أخيرة
بعد فترة، صحتنا ساءت أكتر. لكن أولادنا ماقطعوش زياراتهم. ابني كان بييجي كل جمعة. وبنتي كانت تيجي معاه أحيانًا. نهى أولادها كانوا بيزوروها بالتبادل.

وفي يوم، ابني دخل عليا ومعاه حفيدي الصغير. الحفيد قرب مني وقال:
"تيتا، إنتِ هتفضلي هنا على طول؟"
ابتسمت وقلت:
"يمكن."
قال:
"طب أنا هاجي ألعب معاكي كل أسبوع."
ضحكت وأنا بحاول أخبي دموعي. بعد ما خرج، بصيت من الشباك. لقيت شجرة صغيرة في حوش الدار.

افتكرت أمي.كانت بتحب تزرع الريحان قدام البيت. وفي اليوم التالي، طلبت من إدارة الدار إني أزرع شوية ريحان في الحوش. نهى شاركتني. بقينا كل يوم الصبح ننزل نسقي الزرع. ومع الوقت، الحوش بقى فيه ريحة ريحان قوية.

مرة نهى قالت:
"يمكن ماما سامحتنا."
قلت:
"مش مهم هي سامحتنا ولا لأ."
سكتنا. وبعدين قلت:
"المهم إحنا ما نكررش اللي عملناه."
الفصل السادس: الحساب الأخير
مرت سنتين. نهى ماتت الأول. ماتت بهدوء وهي نايمة. قبل وفاتها بأيام، طلبت مني أقعد جنبها. قالت:
"سمر… لو شوفتي ماما، قولي لها إني كنت غبية.

"
ضحكت وأنا بعيط. قلت:
"هقول لها."
قالت:
"وقولي لها إني فهمت متأخر."
مسكت إيدها."هقول لها."
وبعدها بأيام، راحت. دفنوها، وأنا رجعت الدار لوحدي. لأول مرة حسيت إن حتى أختي، اللي كانت آخر شخص باقي من عيلتي، راحت.

بعدها بشهور، صحيت في ليلة وأنا تعبانة جدًا. بصيت ناحية الكرسي اللي جنب السرير. وتخيلت أمي قاعدة عليه. نفس الهدوم. نفس الابتسامة. قلت:
"سامحيني يا ماما."
وطبعًا ماكانش فيه حد. لكن الغريب إني لأول مرة ماحسيتش بالخوف. حسيت براحة. في الصبح، ابني جه.قعد جنبي. وقال:

"ماما، لو نفسك ترجعي البيت، نرجعك."
بصيت له. البيت اللي قضيت فيه عمري. البيت اللي كنت خايفة أسيبه. ابتسمت وقلت:
"خدني."
رجعت بيتي. وكان أول طلب لي إنهم يزرعوا ريحان قدام الباب. عدت شهور قليلة. وفي يوم هادي، كنت قاعدة في البلكونة، والريحان ريحته مالية المكان.

دخل ابني وقال:
"ماما؟"
ما رديتش. قرب مني. كنت متوفية بهدوء، وإيدي على ورقة صغيرة. لما فتحها، لقاها نفس ورقة أبويا القديمة. لكن تحت كلامه، كنت أنا كاتبة بخط مرتعش:
"يا ابني… لو كبرت في يوم من الأيام، واحتجتني، افتكر إني كنت محتاجاك برضه وأنا كبيرة.

ما تخلّيش خوفي من الوحدة يبقى عقاب ليك… وما تخلّيش تعبك مني يخليك تنسى تعبي وأنا بربيك."
ابني قرأها وسكت. وبعدين حط الورقة على صدره وفضل يعيط. أما أنا…
فكنت خلاص ارتحت. لأن الدائرة اكتملت. أمي احتاجتنا، ومافهمناش. وبعد سنين، احتجنا أولادنا، وفهمنا.

يمكن الزمن ما بيرجعش اللي راح. لكن ساعات بيخلينا نفهم متأخر…
إن بعض الديون ما بتتدفعش بالفلوس، وإن بعض الديون بتفضل مستنية صاحبها سنين طويلة… لحد ما ييجي يوم ويحس بنفس الوجع اللي تسبب فيه.
وعشان كده…
قبل ما تقول لحد كبير في السن: "إنت عبء علينا"، افتكر إن الشخص ده قضى سنين من عمره وهو شايلك من غير ما يحسبها عبء. لأن بعض الديون…
تُسدد مهما طال الزمن.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
TN

Trends News ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
240مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة