بعض الديون تُسدد مهما طال الزمنبعد وفاة أبويا، البيت اللي كان طول عمره مليان صوته وحركته، بقى ساكت بشكل يخوف. أنا اسمي سمر، وأختي الصغيرة اسمها نهى. أنا متجوزة خالد، راجل حاله ميسور، وعندي ولد وبنت.
ونهى متجوزة ياسر، وهو كمان حاله كويس، وعندها بنتين. أما أمي… فكانت ست كبيرة عدت السبعين، جسمها بقى ضعيف، ونظرها مش زي الأول، ومبقتش تقدر تعتمد على نفسها في كل حاجة. بعد العزا بأسبوع، كنا قاعدين أنا ونهى في أوضة أمي. بصتلي نهى وقالت:نعمل إيه يا سمر؟ مين هياخد ماما؟
"سكت شوية وبعدين قلت:تاخدها عندي شهر… وبعد الشهر تيجي عندك."هزت نهى راسها وقالت:ماشي."أمي كانت سامعانا من جوه، وابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:"أنا مش عايزة أتعبكم يا بناتي."روحت حضنتها وقلت:إنتِ مش حمل علينا يا ماما."وبالفعل، أمي عاشت عندي أول شهر.كنت بساعدها في لبسها، وأوديها للدكتور، وأقعد جنبها بالليل لما كانت تخاف من الوحدة.
ولما الشهر خلص، جه وقت تروح عند نهى. أمي وهي بتلم حاجتها قالتلي:هتوحشيني."ضحكت وقلت:شهر وهترجعي."لكن الشهر عند نهى ماكانش سهل. مرة نهى اتصلت بيا وقالت:سمر، ماما محتاجة متابعة طول الوقت، وأنا عندي البيت والبنات.
"قلت لها:ما إحنا اتفقنا يا نهى."ردت بضيق:أنا مش بقول مش هاخدها… بس الموضوع أصعب مما كنت متخيلة."عدت الأيام، وكل واحدة بدأت تحس إن وجود أمي في بيتها عبء. بعد أربعة شهور، حصلت أول خناقة حقيقية. كنا قاعدين أنا ونهى وأزواجنا، وأمي في أوضتها.
نهى قالت:"أنا شايفة إن ماما محتاجة مكان متخصص."بصيتلها باستغراب:يعني إيه؟"قالت:دار مسنين."الجملة وقعت عليا كأنها حاجة تقيلة اتحدفت في نص قلبي. قلت:إنتِ بتتكلمي عن أمنا!"ردت:وأنا تعبت يا سمر."قلت بعصبية:وأنا ما تعبتش؟"سكتنا. وفي النهاية… وافقنا.
أخدنا أمي لدار مسنين محترمة، وفضلنا نقنع نفسنا إن ده لمصلحتها. يوم ما سيبناها، مسكت إيدي وقالت:هو أنا ضايقتكم للدرجة دي؟"ماعرفتش أرد. نهى بصت في الأرض. بعدها بأيام، كنت كل ليلة أفتكر سؤالها. وبعد شهور قليلة، ماتت أمي. دفناها، ورجعنا بيتها القديم نقفل حاجاتها.
وأثناء ما كنا بنرتب دولابها، لقيت نهى ظرف قديم عليه اسم أبونا. فتحناه. وكان جواه ورقة واحدة. قرأناها مع بعض. وكان أول سطر فيها:"لو وصلت الورقة دي لبناتي بعد ما أمكم تمشي من الدنيا، افتكروا إن الإنسان ممكن يهرب من دين الفلوس… لكن عمره ما يقدر يهرب من دين القلب.
"بصيت لنهى. هي كمان بصتلي. وساعتها ماكناش نعرف إن السنين هتعدي…وإن الورقة دي مش هتكون مجرد كلام من أبونا. كانت بداية الحساب. الفصل الثاني: الورقة
فضلنا واقفين في بيت أمي وقت طويل، والورقة في إيدي.كان أبويا كاتب إن أمي قضت عمرها كله بينا، وإنه كان خايف في يوم من الأيام إننا ننشغل بحياتنا وننسى إنها هي كمان محتاجة حد يسمعها ويطمنها.
وفي آخر الورقة كتب:
"أنا مش سايبلكم فلوس كتير، لكن سايبلكم حاجة أهم… أمكم.
لو حافظتوا عليها، يبقى حافظتوا على أغلى حاجة في حياتكم."
نهى بدأت تعيط. قالت بصوت مكسور:
"إحنا عملنا فيها كده ليه؟"
ماقدرتش أقول لها حاجة. لأن السؤال كان موجه ليا أنا كمان. من اليوم ده، كل واحدة فينا بدأت تعيش حياتها، لكن أمي ماكانت بتغيب عن بالنا.
كنت أفتكر يوم ما قالتلي: "هتوحشيني."
وأفتكر إني وعدتها إنها هترجع. لكنها ما رجعتش. مرت السنين. الأولاد كبروا، وجوزي خالد بدأ يعاني من مشاكل صحية بسيطة بسبب السن، وأنا نفسي شعري بدأ يشيب. نهى كمان كبرت. وبعد حوالي عشرين سنة، بقينا إحنا الاتنين ستات كبار.
ولادنا اتجوزوا، وكل واحد بقى عنده بيته ومسؤولياته. في البداية، كنا مبسوطين. كنا بنقول:
"أهو تعب السنين راح."
لكن الحقيقة إن التعب ما بيروحش… هو بس بيغير شكله. بعد وفاة خالد، بقيت عايشة لوحدي. بيتي كان كبير، لكنه بقى موحش.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.