بعد ما ضحيت بعُمري عشان ولادي، جوزي قال لي: «أنا اخترت واحدة أصغر منك»… لكن ابني وقف قدامه وقال كلمة غيّرت كل حاجة
كنت واقفة في المطبخ بحط آخر طبق على السفرة، وإيدي بتترعش من التعب. الساعة كانت قربت على اتنين بعد نص الليل، وأنا لسه مخلصة غسيل وترتيب، ومستنية جوزي يرجع. أنا "سعاد"، عندي اتنين وخمسين سنة، واتجوزت "حسام" وأنا عندي واحد وعشرين سنة. عمري كله تقريبًا عدى بين البيت والعيال.
لما خلفت ابني الكبير "آدم"، سيبت شغلي عشان أربيه. وبعده بسنتين جت "ملك"، وبقيت مسؤولة عن بيت وأربع أرواح غير روحي. كنت دايمًا بقول لنفسي:
"مش مهم أنا... المهم ولادي."
بس اللي مكنتش أعرفه إن التضحية ساعات بتخلي اللي قدامك ينسى إنك بني آدمة وليكي قلب.
سمعت مفتاح الباب. حسام دخل، ووشه كان غريب. بصيت له وقلت:
"اتأخرت ليه؟ العشا برد."
رما مفاتيحه على الترابيزة وقال بمنتهى الهدوء:
"سعاد، أنا عايز أتكلم معاكي."
قلبي انقبض. قلت:
"في إيه؟"
قعد، وسكت شوية، وبعدها قال جملة لحد النهارده كل ما أفتكرها أحس إني بتخنق:
"أنا اخترت واحدة تانية.
"
بصيت له وأنا مش فاهمة."واحدة تانية مين؟"
قال:
"واحدة أصغر منك."
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي. ضحكت ضحكة مكسورة وقلت:
"إنت بتهزر؟"
رد ببرود:
"لأ."
في اللحظة دي، دخل آدم من باب الشقة. كان سامع كل حاجة. بص لأبوه، وبعدين بص لي، وشاف دموعي.
قرب منه وقال:
"يعني إيه اخترت واحدة تانية؟"
حسام اتنرفز:
"دي حاجة بيني وبين أمك."
آدم رد:
"لأ، دي حاجة تخصنا كلنا."
حسام وقف وقال:
"إنت هتعلمني أعيش إزاي؟"
آدم قرب خطوة وقال بصوت هادي بشكل خوّفني:
"لأ... بس لو عملت اللي في دماغك، أنا هقول للعيلة كلها على اللي حصل."
حسام وشه اتغير فجأة. أنا بصيت لابني باستغراب. إيه اللي آدم عارفه؟وليه أبوه اتخض بالشكل ده؟وقبل ما أسأل...آدم طلع موبايله من جيبه وقال:
"وعندي دليل كمان."
ساعتها حسام قال كلمة واحدة:
"إنت عرفت؟"
وأنا... حسيت إن دي مش نهاية الصدمة. دي كانت البداية بس. قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. بصيت لآدم وقلت:
"إنت عرفت إيه يا ابني؟"
آدم بص لأبوه، وقال:
"ماما لازم تعرف كل حاجة."
حسام حاول يقاطعه:
"آدم، بلاش تهور."
ابني ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
"التهور الحقيقي إنك تفتكر إن ماما هتفضل آخر واحدة تعرف."
وبعدين حط موبايله على الترابيزة. فتح تسجيل صوتي. صوت حسام كان واضح. كان بيتكلم مع شخص، وبيقول:
"أنا لازم أخلص الموضوع بسرعة قبل ما سعاد تعرف."
قلبي وقع. بصيت لحسام:
"موضوع إيه؟"
حسام حاول ياخد الموبايل، لكن آدم منعه."استنى."
التسجيل كمل. سمعت حسام بيتكلم عن فلوس، وعن ورق، وعن شقة. وبعدين سمعت جملة خلتني مش قادرة أتنفس:
"الشقة لازم تتباع، وسعاد مش لازم تعرف."
بصيت لجوزي:
"إنت كنت هتبيع شقتنا؟"
حسام سكت. آدم قال:
"مش بس كده يا أمي."
طلع ملف من شنطته وحطه قدامي. فتحت الملف بإيد بتترعش. لقيت صور من أوراق ملكية، وتحويلات بنكية، وإيصالات. كلها مرتبطة بحساب باسم واحدة معرفهاش. قلت:
"مين دي؟"
آدم قال:
"دي الست اللي بابا بيقول إنه اختارها.
"
حسام صرخ:
"كفاية!"
لكن آدم لأول مرة في حياته رفع صوته على أبوه:
"كفاية إنت!"
أنا كنت تايهة. سنين وأنا فاكرة إن جوزي سندي. طلعت كل حياتي معاه مبنية على حاجات أنا مكنتش شايفاها. سألت:
"من إمتى؟"
حسام رد:
"سعاد، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة."
ضحكت بمرارة:
"أمال زي إيه؟
"
سكت. فقلت:
"إنت ناوي تسيبني وتاخد شقتنا وفلوسنا وتبدأ حياة جديدة؟"
حسام قال:
"أنا تعبت."
الكلمة دي كانت أقسى من كل اللي قاله. أنا اللي تعبت. أنا اللي صحيت سنين قبل الكل. أنا اللي بعت دهبي عشان مصاريف المدرسة. أنا اللي رفضت فرص شغل عشان أفضل جنب ولادي.
ومع ذلك...هو اللي قال إنه تعب. قمت من مكاني وقلت:
"أنا مش همنعك من حياتك يا حسام."
بص لي باستغراب. كملت:
"بس من النهارده... كل حاجة هتتحسب."
آدم مسك إيدي. ولأول مرة من سنين حسيت إن ابني هو اللي بيحميني. لكن اللي معرفتوش وقتها...إن الملف اللي في إيدي كان فيه ورقة أخطر من كل اللي شوفته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.